الثلاثاء، 29 يناير، 2013

قناعة القاضي الجنائي بوسائل الإثبات الحديثة (الجزء الثاني)



المبحث الثاني: دور وسائل الإثبات الحديثة في تأسيس الاقتناع القضائي.
المطلب الأول: ماهية الاقتناع:
إن العملية القضائية التي يجريها القاضي الجنائي، إنما غايتها النهائية التوصل إلى الحقيقة الواقعية، فكل نشاط أو جهد يبذله القاضي خلال إجراء العملية القضائية يبتغي من ورائه التوصل إلى الحقيقة الواقعية، أي الوقوف على حقيقة الوقائع كما حدثت في الواقع والعالم الخارجي، لا كما يصورها الخصوم، ولا يمكن أن تظهر الحقيقة الواقعية إلا بعد البحث عنها وثبوتها بالأدلة.
فإذا وصل القاضي إلى حالة ذهنية استجمع فيها كافة عناصر وملامح الحقيقة الواقعية واستقرت هذه العناصر في وجدانه وارتاح ضميره للصورة الذهنية التي تكونت واستقرت لديه عن تلك الحقيقة، فهنا يمكن القول أن القاضي وصل إلى "حالة الاقتناع".
*أولا: تعريف الاقتناع:
الاقتناع حالة ذهنية وجدانية، وهي محصلة عملية علمية منطقية تستنيرها وقائع القضية الجنائية في نفس القاضي فتنشط ذاكرته لتستدعي القواعد القانونية ذات الوقائع النموذجية المرشحة للتطابق مع وقائع القضية، وتتوقف طبيعة هذه الحالة على نتيجة عملية المطابقة بين الواقعتين، وقد يكون ارتياح ضمير القاضي وادعائه أو تسليمه بدون أدنى شك، بثبوت الوقائع في جانب المتهم وثبوت مسؤوليته عنها، وقد يكون الشك في ذلك، وأخيرا قد يكون ارتياح ضميره وادعائه أو تسليمه بعدم حدوثها أو عدم مسؤولية المتهم عنها مطلقا.
*ثانيا: سمات الاقتناع:
ويمكن حصر هذه السمات في عنصرين أساسين هما:
أ – قانونية الاقتناع:
إن الذي يكسب الاقتناع سمته القانونية هو كونه وليد إجراءات جنائية قانونية، وتكون الإجراءات الجنائية كذلك عندما يتسم مسلك القاضي الجنائي خلال إجراء العملية القضائية بالالتزام بأحكام القانون أي لا يخرج على الخط الذي رسمه القانون، وفي حالة ما إذا أخل بهذه المسطرة ينعكس ذلك بصدق على الاقتناع الذي حصله لأنه ثمرة أو محصلة الخطوات التي خطاها.
هو نتيجة العمليات التي أجراها بطريقة اتسمت بالخطأ أو الفساد. ومؤدى ذلك أن هذه العملية أو السمة تتصل اتصالا وثيقا بالمنهج القضائي في الاقتناع أو بكيفية تحصيله وتحديد ملامحه. وعلى ذلك فإن قانونية الاقتناع كسمة له إنما تأثر بالإجراءات الجنائية والإجراءات التي تذرع بها القاضي والتي أمكن من خلالها استخلاص قناعته.
ب – واقعية الاقتناع:
كانت السمة الأولى هي قانونية الاقتناع، أما السمة الثانية فهي واقعية الاقتناع، ونقصد بواقعية الاقتناع كون الاقتناع الذي حصله القاضي يتفق مع الحقيقة الواقعية التي يهدف القاضي أن يتوصل إليها. وهذه السمة هي نتيجة طبيعية ومنطقية لوجود السمة الأولى، ومعنى ذلك أنه طالما أن القاضي قد حصل واستخلص اقتناعه بطريقة وبإجراءات قانونية ومشروعة، فلابد أن يكون اقتناعه مطابقا للحقيقة الواقعية سواء كان اقتناعه بالإدانة أو البراءة.
وتتصل هذه السمة بمضمون الاقتناع أو جوهره، ويشكل مضمون الاقتناع من الوقائع المادية التي تثبت لدى القاضي وتثبت مسؤولية الجاني عنها، ومن الوقائع القانونية التي طبقها على هذه الوقائع وأيضا الجزاء الذي استقر على النطق به وتطبيقه على الجاني في حالة اقتناعه بالإدانة أو البراءة، ومعنى ذلك أن واقعية الاقتناع تتألف من عنصرين، أحدهما يتصل بمصل الاقتناع وهو عبارة عن الوقائع والقواعد القانونية واجبة التطبيق على هذه الوقائع وعملية المطابقة التي يتوصل من خلالها الاستقرار على الإدانة أو البراءة. والثاني هو نتيجة الاقتناع، وهي إما الإدانة أو البراءة حسب ما يتوصل إليه القاضي من خلال ما ثبت لديه من واقع عملية المطابقة التي أجراها والتي تعد أحد مكونات العنصر الأول من عنصري واقعية الاقتناع.

المطلب الثاني: حرية الاقتناع ومدى تأثرها بوسائل الإثبات الحديثة.
*أولا: حرية القاضي الجنائي في الاقتناع:
إذا كانت العبرة في الإثبات في المواد الجنائية هي باقتناع القاضي واطمئنانه إلى الأدلة المطروحة، فما المقصود بحرية الاقتناع؟
أ – مضمون هذا المبدأ:
الاقتناع في دلالته القانونية يعني حالة إدراك يسلم معها العقل تسليما جازما بثبوت أو نفي واقعة أو عدة وقائع، استنادا لقواعد المنطق القائمة على الاستقراء والاستنتاج والمستمدة من أدلة وبراهين قضائية حاسمة.
وحرية الاقتناع هي حرية خاصة بالقاضي، من خلالها يعمل سلطته التقديرية ويبسطها على الأدلة الجنائية.
فبالرغم من أن النيابة العامة عليها أن تقيم الدليل على الإدانة والمتهم عليه أن ينفي هذا الدليل، إلا أن التزام القاضي الجنائي بإدراك الحقيقة الواقعية أو المادية استجابة لمقتضيات التجريم، جعلت له دورا إيجابيا يدرك بمقتضاه الحقيقة ويختلف عن دور القاضي المدني الذي يقتصر على الموازنة بين الأدلة التي يقدمها الأطراف دون البحث عن حجج أخرى من تلقاء نفسه حيث أن القاضي حر في تكوين قناعته.
والإثبات القائم على حرية الاقتناع، جاء نتيجة الانتقادات التي وضعت من طرف تيار فكري في فرنسا، حيث انصبت على عقم محاولة تقييد القاضي في مجال الإثبات الجنائي لينتشر في باقي دول أوروبا لتأخذ به غالبية التشريعات.
ومن خلال هذا المبدأ، يمكن للقاضي إعلان الحقيقة كما اقتنع بها هو وجدانيا لا أن يحكم رغم أنه غير مقتنع في قرارة نفسه بالحقيقة التي يعلنها في الحكم بناء على الدليل المفروض عليه نوعا وقيمة، فتكون له صلاحية الأخذ بأي دليل، ويكون له دورا إيجابيا يسمح باتخاذ المبادرة واللجوء إلى البحث التكميلي، غير أن مبدأ حرية الاقتناع ليس مطلقا من كل قيد، بل ترد عليه بعين القيود.
ب – القيود الواردة على هذا المبدأ:
نظرا لما قد ينطوي عليه نظام الإثبات الوجداني من مخاطر باعتبار أن القاضي غير معصوم من زلة الخطأ، فإن المشرع حدد ضوابط على القاضي وهو في سبيل تكوين اقتناعه عملا بالنظام الوجداني عليه مراعاتها وأهمها:
3أنه لابد من طرح الدليل في الجلسة لمناقشته شفهيا، وبحضور الأطراف فلا يجوز للقاضي أن يبني قناعته إلا على أدلة طرحت أمامه في الجلسة، كما لا يحق له الفصل في الدعوى اعتمادا على دليل وصل إلى علمه الشخصي دون أن يطرحه للمناقشة في جلسة الأحكام المادة 287 من ق.م.ج.
3وجوب بناء الأحكام بالإدانة على الجزم واليقين تطبيقا لقاعدة الشك يفسر لصالح المتهم، والمقصود بالجزم واليقين بلوغ درجة لا يتطرق إليها الشك، ذلك أن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين، وأن يؤسس على الأدلة التي توردها المحكمة والتي يجب أن تبين موادها في الحكم بيانا كافيا توفيرا للعدل وقيم العدالة.
3كما لابد أن يكون اقتناع القاضي قد بني على وسيلة للإثبات صحيحة مشروعة، فلا يمكن قبول دليل جاء بالمخالفة للقانون، كالسرقة أو النصب، حيث لا يمكن بناء الحكم على هذه الوسيلة. كما أن الأدلة المعتمدة في تأسيس الحكم قانونا واقعيا يجب أن تؤدي النتيجة التي أعلنها الحكم، وإلا تعرض هذا الأخير للنقض لانعدام التعليل أو عدم كفايته (م 534 من ق.م.ج).
*ثانيا: مدى تأثير وسائل الإثبات الحديثة على تكوين الاقتناع القضائي:
إذا كان العلم قد استحدث الكثير من أساليب الإثبات، وأمد سلطات التحقيق بوسائل حديثة ومتطورة، فإن اقتناع القاضي في الأمور الجنائية يأتي على قمة هذه الوسائل، لا كوسيلة من وسائل الإثبات، ولكن كمبدأ يحمي العدالة من الشطط والهوى ويصون القاضي من بعض الآثار التي تترتب على سوء استخدام الوسائل العلمية الحديثة في الإثبات والتي قد تصل إلى حد الاعتداء على الحريات، ولما كانت هذه الوسائل ذات أثر بالغ في مجال الإثبات وبالتالي على خصائص نظرية الاقتناع الذاتي للقاضي الجنائي، فإننا سنحاول عرض مجالات هذا التأثير وذلك من خلال النقاط التالية:
أ – إذا كانت الأدلة نفسها لا يمكن حصرها من حيث التعداد أو توقف نشأتها الاستمرارية في التطور، وإذا كانت من حيث الدقة تقوم على حقائق وقوانين وأسس علمية، ذات نتائج محددة حقيقة وواضحة قد تصل إلى نسبة %99.99 من الصحة، فإنه يصبح لها أثر قوي على اقتناع القاضي يتجاوز في تأثيره كل أنواع وسائل الإثبات الأخرى.
من هنا يظهر تأثيرها على اقتناع القاضي في أنها تجعله أكثر جزما ويقينا، كما تساعد على التقليل من الأخطاء القضائية والاقتراب من العدالة بخطوات أوسع والتوصل إلى درجة أكبر نحو الحقيقة.
ب – يمتاز الإثبات العلمي بارتكازه على البحوث والدراسات والتقنية العلمية وفق ضوابط معينة تؤدي في النهاية للحقائق المطلوبة، وهذه في النهاية تحتاج إلى أصحاب الاختصاص والخبرة حتى يتم إبداء الرأي بشأن واقعة ذات أمية في الدعوى الجنائية، وتصبح الحاجة إلى الخبير ملحة إذا ما أثيرت مسألة بعجز القاضي فيها عن إبداء الرأي لأنها تحتاج متخصصا فنيا في نفس المجال.
ولهذا تأتي النتائج بصورة موضوعية حيث أن استخدام العلم في الكشف عن الجريمة، يجعل للدلالة طبيعة موضوعية بحيث يتم تحقيقها بصورة موضوعية، وفق ضوابط ومعايير علمية مقررة تطبق في جميع الحالات المتشابهة.
وتؤدي إلى نفس النتائج في الجرائم المتشابهة، وبذات الظروف وذات الوسائل، لذلك يرى البعض أن الأخذ بالإثبات العلمي معناه العودة إلى نظام الأدلة العقيدة ونظام الاقتناع العقيد، وذلك رغم أن نظام الأدلة القانونية يلزم فيه توافر الأدلة التي حدد القانون نوعها وقيمتها سلفا، في حين أن وسائل الإثبات الحديثة تسعى إلى الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة.
ج – إن المبدأ السائد في التشريعات الحالية، هو حرية القاضي في الاستناد إلى أي دليل من الأدلة التي يقتنع بحقيقتها ولا تتريب عليه في استخدام الوسائل العلمية لمعرفة هذه الحقيقة ولتسهيل تكوين اقتناعه وبناء على الجزم واليقين، فالقاضي متخصص في القانون ولا يستطيع أن يلم بهذا الكم الهائل من العلوم والمعارف الأخرى ولابد له من أن يستعين بأهل الخبرة وخاصة ظهور أنواع جديدة من الجرائم لم تكن معروفة من قبل، بالتالي وجب حماية المجتمع والأفراد من ارتكابها ومنع المجرم من العودة لها.


لائحة المراجع

* القضاء الجنائي ووسائل الإثبات: بحث تحت إشراف د. محمد أحداف  2005.
* الإثبات في المواد الجنائية: أبو عمر محمد زكي.
* تأسيس الاقتناع القضائي والمحاكمة الجنائية العادلة: الجوهري كمال عبد الواحد.
* المختصر في التحقيق الإعدادي ووسائل الإثبات: محمد العروصي.
* الدليل المادي وأهميته في الإثبات الجنائي: أحمد أبو القاسم أحمد.
* وسائل الإثبات في الميدان الزجري: بحث تحت إشراف ذ.علي رحيمي 2006.